خبير المحاسبة المجاز والباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب اليوم: مناقشة الموازنة العامة من خارج البرلمان

عاجل

الفئة

shadow
الموازنة العامة لسنة 2026 أقلّ من عادية، وهذا ما لا يخفيه المسؤولون عن وضعها. هي عبارة عن دفتر حسابات عتيق يسجّل فيه الإنفاق والإيرادات، وليس أكثر من ذلك أبداً، علماً أنّ الموازنة يجب أن تتضمّن خطة عمل لسنة كاملة ولأكثر من سنة أيضاً.
قلة قليلة من النواب ناقشوا الموازنة بشكل علمي، أما البقية الباقية فكانت كلماتهم للاستعراض فقط، كأنهم في مهرجان انتخابي يريدون إقناع الناخبين بالتصويت لهم وإعطائهم أصواتهم التفضيلية.
*الملاحظة الأهمّ أنّ أكثر من 80 في المئة من الموازنة هي للرواتب والأجور، ثم بعض المصاريف التشغيلية للدولة، وأخيراً نحو 10 في المئة للإنفاق الاستثماري، ورغم ذلك هناك من يتحدث عن نمو وتنمية... كيف يمكن أن يحصل هذا إذا لم يكن هناك إنفاق استثماري على البنى التحتية والخدمات الأساسية التي يحتاج إليها النشاط الاقتصادي حتى تدور الدورة بشكل متكامل ومنتج فعلياً، لأننا من دون الإنتاج لا يمكن الحديث عن تحسين مستوى معيشة اللبنانيين وزيادة الرواتب لتصبح متناسبة مع الأعباء الحياتية اليومية، على الأقلّ في المرحلة الأولى أن يتمكن العامل من تأمين الأساسيات التي لا غنى عنها لعائلته.
*هناك رهان بالطبع على بعض القروض الخارجية، خاصة تلك الآتية من البنك الدولي، لكنها حتى الآن لا تزال بالقطارة، نحتاج إلى أكثر من عشرة مليارات دولار لكي ننهض بواقعنا الاقتصادي ونبدأ بإعادة الإعمار والبناء على أسس متينة وقوية ومستدامة، وما يأتينا من القروض لا يتجاوز مئات الملايين، هذا إذا أتت لأنّ بعض الوعود عمرها من عمر هذه الحكومة وربما قبل ذلك، ولم نحصل على شيء حتى الآن...
*كلّ الأمور يتمّ ربطها علناً بسلاح المقاومة، يقولونها بكلّ صراحة في الداخل والخارج... لا تمويل ولا مشاريع طالما بقيَ الاستعصاء في ملف السلاح، وطالما لم تبدأ المرحلة الثانية شمال الليطاني، في حين أنّ اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024 لا ينص على مرحلة ثانية، وهو منشور على صفحة رئاسة الحكومة ومرفق بخريطة لمنطقة جنوب الليطاني زائد قريتين فقط هما يحمر وأرنون، فلو كان المقصود شمال الليطاني أيضاً لماذ ذكر هاتين القريتين فقط؟ وفوق ذلك تستمرّ الاعتداءات الإسرائيلية اليومية التي توقع المزيد من الشهداء وأيضاً المزيد من التدمير والتخريب في الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية والممتلكات الزراعية وغير ذلك...
*لا بدّ هنا من ذكر الملاحظة الهامة جداً التي أوردتها النائبة حليمة قعقور في جلسة مناقشة الموازنة العامة، وهي ملاحظة ربما كانت غائبة عن الكثيرين... قالت النائبة قعقور إنّ على الحكومة اللبنانية أن تتخذ موقفاً تصحيحياً لما قاله وزير الخارجية يوسف رجي الذي أضرّ كثيراً ليس فقط في السياسة بل أيضاً على الصعيد المالي والقانوني، إذ أنّ منظمة العفو الدولية تعطي للبنان الحق بمطالبة كيان العدو بدفع تعويضات عن الأضرار التي تسبّب بها خلال الحرب، وهي حرب مستمرة إلى اليوم، وهذا ما يجب أن تتحرك من أجله الحكومة بأسرع وقت ممكن، أولاً لتجريم كيان العدو في المؤسسات الدولية، وثانياً لتحصيل حقوق لبنان في التعويضات، وهي مبالغ ضخمة جداً نحن بأمسّ الحاجة إليها لكي تقوم الحكومة بالأعباء الواجب عليها القيام بها.
*لا أحد يقول إنّ الحكومة عليها خلال فترة قصيرة أن تقوم بكلّ الأمور، لا شيء يأتي بكبسة زر خاصة أنّ المطلوب كثير وكثير جداً. لكن ما يجب أن تفعله الحكومة هو أن تبدأ من مكان ما، وأن تكون بدايتها مدروسة ضمن خطة واضحة يتمّ تنفيذها تدريجياً، بحيث يشعر الناس بأنّ هناك أموراً إيجابية تحصل على أرض الواقع وليس فقط في الكلام والتصريحات، وهذا ما هو حاصل منذ سنة إلى اليوم، الكلام كثير والأفعال قليلة جداً وتكاد لا تُذكر...
*لا يمكن تطوير الموازنة من دون تطوير الاقتصاد، وهذا لا يحدث إلا من خلال قطاعات الإنتاج التي تسمّى "الاقتصاد الحقيقي"، الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، وإذا أخذنا موازنات الوزارات المعنية بهذه الشؤون لوجدنا أنها موازنات ضئيلة جداً بالكاد تكفي المصاريف التشغيلية للوزارات،
يقولون إنّ هذا ما هو ممكن اليوم في غياب مصادر التمويل، ونحن نسأل: هل قامت الحكومة بواجبها من أجل تأمين مصادر التمويل؟ الجواب طبعاً لا، بل أكثر من كلمة لا... لقد تجاهلت الحكومة ما هو أمامها وفي متناول يدها من هذه المصادر، والمقصود هنا الأموال المهرّبة والمُحولة إلى الخارج بعد الانهيار الكبير في تشرين الأول 2019، وقبل ذلك أموال الهندسات المالية، وبعد ذلك الملفات الكبيرة التي كانت تحقق فيها القاضية غادة عون والتي تتجاوز أرقامها العشرين مليار دولار...
لو أنّ الحكومة سعت لتحصيل هذه الأموال أو على الأقلّ البدء بتحصيلها ولو بمعدل 3 مليارات دولار كلّ سنة، هل يمكن ان يتخيّل أحد ماذا يمكن أن يفعل هذا المبلغ إذا تمّ توظيفه بشكل صحيح في الاقتصاد اللبناني، علماً أنّ اقتصادنا صغير ويتحرك بسرعة، ولا شكّ أنّ دخول 3 مليارات دولار سنوياً إلى الدورة الاقتصادية كاستثمارات في البنية التحتية سيفعل العجائب لأنّ ذلك يعيد الثقة ويشجع القطاع الخاص على إطلاق المشاريع الإنتاجية، وهذا بالتالي سيؤدي مع الوقت إلى ردم الفجوة المالية وإعادة أموال المودعين فعلياً وليس فقط على الورق كما هو الحال مع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي أحالته الحكومة إلى المجلس النيابي قبل فترة قصيرة...
*من الضروري تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، هناك غياب تامّ على هذا الصعيد، وبالدرجة الأولى غياب قطع الحساب، وهذه مسألة لا تزال عل حالها منذ بداية عهد السنيورة في وزارة المالية (عام 1993)، بالأمس تبلغ رئيس الجمهورية من ديوان المحاسبة أنّ الديوان أنجز قطع الحساب لعدد من السنوات ويجري استكمال العمل حتى يتمّ إنجاز قطع الحساب عن كلّ السنوات السابقة، وعندها يصبح بإمكان المجلس النيابي مناقشة الموازنة وممارسة دوره في الرقابة والمحاسبة على أكمل وجه، أما اليوم ومع غياب قطع الحساب فإنّ عمل المجلس ومناقشات النواب تبقى غير مكتملة، وغير منسجمة مع الدستور.
وعندما نتحدث عن الرقابة والمحاسبة لا بدّ أن يحضر التدقيق الجنائي، وهو أمر بدأنا به في عهد الرئيس العماد ميشال عون، ويجب استكماله في هذا العهد، لأنّ التدقيق الجنائي يوصلنا إلى معرفة الكثير من الأسرار المخفية وربما يعيد إلى الخزينة مليارات الدولارات، وعلى الأقلّ نعرف أين صُرفت وكيف تبخرت!
*الموازنة لا تقدّم الحلول، بل هي بالكاد تكون موازنة إدارة الأزمة، من دون أيّ مبادرة ذاتية ولا اتخاذ القرارات اللازمة والجريئة لتحريك الاقتصاد، بانتظار ما سيأتي به الخارج وإذا كان سيرضى عنا أو لا، ربطاً بموضوع السلاح والشروط التي تضعها الولايات المتحدة علينا لكي تفك الأسر عن اقتصادنا، بينما نحن قادرون على أن نفعل الكثير إذا حزمنا أمرنا وفعلنا مثل كندا، وماذا نشكّل نحن بالنسبة لأميركا قياساً بما تعنيه لها كندا المترامية الأطراف والملاصقة جغرافياً للولايات المتحدة، والتي كانت على الدوام في الفلك السياسي الأميركي، وها هو رئيس وزرائها حين شعر بأدنى تهديد لبلاده من الولايات المتحدة ذهب إلى الصين وعقد اتفاقيات اقتصادية ومالية تجعل كندا قادرة على الاستغناء عن الولايات المتحدة في جوانب كثيرة... إلى درجة جعلت الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إنّ الصين سوف تبتلع كندا بعد سنة واحدة...
ماذا ينقصنا نحن أن نفعل الأمر نفسه؟ الجواب واضح ينقصنا الإرادة الصلبة والقرار الجريء.
نحن اقتصادنا صغير جداً مقارنة بالدول الكبيرة التي نتحدث عنها، يعني أنّ مشروعين أو ثلاثة مشاريع كبيرة من شأنها أن تحرك الاقتصاد اللبناني كله، مثل البدء بإنشاء سكك الحديد من الشمال إلى الجنوب ومن بيروت إلى المصنع، وإنجاز نفق حمانا ـ شتورة، وتأهيل وتطوير شبكة الطرق والمواصلات في لبنان وخاصة في بيروت ومحيطها وامتداداتها شمالاً وجنوباً وشرقاً... وهذا كان من ضمن العروض الصينية التي تلقاها لبنان منذ سنوات ولم يستطع قبولها وتنفيذها بسبب الضغوط الأميركية التي يستجيب لها المسؤولين مع الأسف الشديد...
*الخلاصة أنّ المسألة ليست في الموازنة العامة وأرقامها، بل في السؤال المركزي التالي: هل ستتخذ السلطة في لبنان القرارات الجريئة والجذرية لإنقاذ البلد واقتصاده وشعبه؟ الجواب عن هذا السؤال ليس فقط في يد السلطة الحالية بل أيضاً هو لدى الناخبين الذين بإمكانهم في الانتخابات المقبلة تغيير هذا المسار الاستسلامي باتجاه مسار نهضوي عام يحقق التطلعات ويوفر المستقبل الزاهر والمشرق للأجيال الطالعة...

الناشر

1bolbol 2bolbol
1bolbol 2bolbol

shadow

أخبار ذات صلة